شموع لا تنطفي
20/04/2009, 03:33 AM
أُغَنِّى فى حُبِّك
كنتُ فى رحلةٍ إلى محافظة القريات ، فى شمال المملكة ، وبعدما انتهيتُ من المحاضرات سافرتُ جنوباً ، إلى جهة محافظة سكاكا الجوف ، وكانت محاضرة سكاكا بعنوان: "ألحان وأشجان" حول الغناء ، وبعدها جاءنى شخصٌ متأثراً معه ولدٌ له عمره 11 سنة ، قال لى:
يا شيخ ، فى طريق مجيئى من القريات معى ولدى هذا ، مررتُ أثناء الطريق بحادثٍ مُرَوِّع ، سيارة جيب ، كان فيها اثنان من الشباب ، قادمان من 000000
انقلبت السيارة بهم عدة مرات ، حتى تطايروا من خلال النوافذ ، وتبعثر عفشهم ، وتمزقت ملابسهم ، كنتُ أول مَن وقف عليهم ، اتصلتُ بالإسعاف فوراً 00 فى الحقيقة لم تكن أول مرة أرى فيها حادث سيارة ، بل ولا موتى0 تعودتُ على رؤية هذه المناظر منذ زمن 00 أقبلتُ أنظر إليهم 00 من أول وهلةٍ تنظر إلى ملابسهم ، وقصَّات شعورهم ، تعرف يقيناً لماذا كانوا هناك ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، عفا الله عنا وعنهم0
المهم ، توجهتُ مُسرعاً إليهما ، أحاول إنقاذ ما أستطيع إنقاذه0
أما الأول: فكان مُنْكَبَّاً على الأرض ، قد تَمَرَّغ وجهُه فى التراب ، لا يزال جسمه حاراً ، لا أدرى هل مات أم لا ، تمزق بنطاله وقميصه ، والغبار قد اختلط بالدماء التى صبغت ثيابه ، حتى أصابع يديه لم تسلم من جروحٍ ودماء ، قلبته على ظهره ، فإذا لحم وجهه قد تمزق حتى لا تكاد ترى شيئاً من ملامحه ، إلا شعراتٍ يسيرة من شاربه0
ناديته ، حركته ، فإذا هو قد قضى ، أسرعت إلى الثانى ، فإذا هو على وجهه أيضاً ، والأرض حوله مليئة بالدماء ، وثيابه حمراء ، وعظامه بارزة ، ويبدو أن الضربة الكبرى كانت على رأسه ، فقد انشقت جُمجمته ، وخرج مُخُّه مِن خلالها0
لم أتحمل المنظر ، انتبهتُ أن ولدى معى ، التفتُ أنظرُ إليه ، فإذا هو يُبحلق بعينيه ، مَشدوهاً ، حاولتُ الوقوفَ بينه وبين الجُثَّة لئلا يرى0
نظرتُ إلى الأغراض المبعثرة حول جثته ، فإذا جوازُ سفره ومحفظة نقوده وعلبة دخان 0 كل هذا لم يشدنى ، فلم أكن أنتظر أن أرى مصحفاً وسِواكاً ، التفتُ جِهة رأسه فإذا شريط واقع على الأرض ، ليس بينه وبين رأسه إلا شِبْرٌ واحد ، خفضتُ رأسى فإذا قِطعةٌ مِن المُخ قد وقعت على الشريط وغَطَّت اسمه0
تحاملتُ على نفسى ، ورفعتُ الشريط بيدى ، ثم تناولتُ حَجَراً من الأرض ، مسحتُ به المُخ المُتلطخ على الشريط ، فإذا هو شريط غناءٍ بعنوان "أُغنى فى حُبِّك" ، لاحظتُ أن بَكرة الشريط مسحوبة إلى خارجه ، وإذا خيط الشريط منطلق إلى الخارج ، وكأنه لا يزال متصلاً بشئ0
التفتُ أنظر أين يصل؟ فإذا بى أرى مُسَجِّل السيارة واقعاً على الأرض ، وقد خرج من مكانٍ فى السيارة ، مع قوة الحادث ، وبعد ضرب الأرض بقوة ، انطلق منه الشريط ، ووقع عند رأس هذا الفتى ، ليقع عليه مُخه ، نعم ليقع على "أغنى فى حبك" ، أى واللهِ مشكلة حبه0
ويُبعَث أحدكم على مامات عليه ، ما علينا ، بدأ الناس يَكثرون حولنا ، وصار كُلُّ مَن مَرَّ بنا يُوقف سيارته ، ويُقبل ينظر إلى الحادث ، وصل الإسعاف ، كشف الطبيب عليهما فى عَجَل ، غَطَّاهما بملاءةٍ بيضاء ، أيقنتُ عندها أن أرواحهما قد صعدت إلى السماء ، لا أدرى هل تُفتَح لها أبوابُ السماء وتُبَشَّر بروحٍ وريحان ، أم تَخر من السماء فتخطفها الطير ، أو تهوى بها الريح فى مكانٍ سحيق؟
بدأ سائق الإسعاف وأصحابه فى حمل الجُثَّتين ، وبدأتُ أجمع أغراضهما المُبعثرة ، هذه محفظة ، وهذه ساعة ، وتلك كاميرا0
أخذتُ أجمع فى كيسٍ معى 0 فى أثناء ذلك وقع فى يدى ظَرْفٌ مُغلق ، قد انشق طرفه مع وقوعه على الأرض ، مكتوبٌ عليه "يصل إلى يد أبى محمد" وبعدها كلماتٌ مكتوبة لا أرغب فى ذِكرها ، نظرتُ إلى داخله ، فإذا مجموعةٌ كبيرة من الصور ، أخرجتُها ، فإذا هى أكثر من خمسين صورة لنساءٍ عرايا0
حاولتُ أن أخفيها عن الناس ، لئلا يفتضح الشابان ، دافعتُ عَبَراتى ، قلتُ: هذه فضيحة الدنيا ، بين عددٍ قليلٍ لا يعرفهما ، فكيف بهما فى فضيحة الآخرة ، عند الأولين والآخرين ، مع اشتداد الرعب ، وكثرة الفزع ، وتطاير الصُّحُف0
ما ضَرَّهما لو أطاعا الله ، فما كَلَّفهما شَططاً ، إقامة خمس صلوات ، وفِعل الواجبات ، وترك المُحَرَّمات ، وليس فى ذلك مَشقة ، فالمُحَرَّمات أشياء معدودات ، ما ضَرَّ العبد لو تركها طاعةً للمَلِك ، ليُحِبَّه ويُدخله جنته0
{منقول من كتاب: رحلة إلى السماء ، للشيخ: محمد العريفى}
كنتُ فى رحلةٍ إلى محافظة القريات ، فى شمال المملكة ، وبعدما انتهيتُ من المحاضرات سافرتُ جنوباً ، إلى جهة محافظة سكاكا الجوف ، وكانت محاضرة سكاكا بعنوان: "ألحان وأشجان" حول الغناء ، وبعدها جاءنى شخصٌ متأثراً معه ولدٌ له عمره 11 سنة ، قال لى:
يا شيخ ، فى طريق مجيئى من القريات معى ولدى هذا ، مررتُ أثناء الطريق بحادثٍ مُرَوِّع ، سيارة جيب ، كان فيها اثنان من الشباب ، قادمان من 000000
انقلبت السيارة بهم عدة مرات ، حتى تطايروا من خلال النوافذ ، وتبعثر عفشهم ، وتمزقت ملابسهم ، كنتُ أول مَن وقف عليهم ، اتصلتُ بالإسعاف فوراً 00 فى الحقيقة لم تكن أول مرة أرى فيها حادث سيارة ، بل ولا موتى0 تعودتُ على رؤية هذه المناظر منذ زمن 00 أقبلتُ أنظر إليهم 00 من أول وهلةٍ تنظر إلى ملابسهم ، وقصَّات شعورهم ، تعرف يقيناً لماذا كانوا هناك ، لا حول ولا قوة إلا بالله ، عفا الله عنا وعنهم0
المهم ، توجهتُ مُسرعاً إليهما ، أحاول إنقاذ ما أستطيع إنقاذه0
أما الأول: فكان مُنْكَبَّاً على الأرض ، قد تَمَرَّغ وجهُه فى التراب ، لا يزال جسمه حاراً ، لا أدرى هل مات أم لا ، تمزق بنطاله وقميصه ، والغبار قد اختلط بالدماء التى صبغت ثيابه ، حتى أصابع يديه لم تسلم من جروحٍ ودماء ، قلبته على ظهره ، فإذا لحم وجهه قد تمزق حتى لا تكاد ترى شيئاً من ملامحه ، إلا شعراتٍ يسيرة من شاربه0
ناديته ، حركته ، فإذا هو قد قضى ، أسرعت إلى الثانى ، فإذا هو على وجهه أيضاً ، والأرض حوله مليئة بالدماء ، وثيابه حمراء ، وعظامه بارزة ، ويبدو أن الضربة الكبرى كانت على رأسه ، فقد انشقت جُمجمته ، وخرج مُخُّه مِن خلالها0
لم أتحمل المنظر ، انتبهتُ أن ولدى معى ، التفتُ أنظرُ إليه ، فإذا هو يُبحلق بعينيه ، مَشدوهاً ، حاولتُ الوقوفَ بينه وبين الجُثَّة لئلا يرى0
نظرتُ إلى الأغراض المبعثرة حول جثته ، فإذا جوازُ سفره ومحفظة نقوده وعلبة دخان 0 كل هذا لم يشدنى ، فلم أكن أنتظر أن أرى مصحفاً وسِواكاً ، التفتُ جِهة رأسه فإذا شريط واقع على الأرض ، ليس بينه وبين رأسه إلا شِبْرٌ واحد ، خفضتُ رأسى فإذا قِطعةٌ مِن المُخ قد وقعت على الشريط وغَطَّت اسمه0
تحاملتُ على نفسى ، ورفعتُ الشريط بيدى ، ثم تناولتُ حَجَراً من الأرض ، مسحتُ به المُخ المُتلطخ على الشريط ، فإذا هو شريط غناءٍ بعنوان "أُغنى فى حُبِّك" ، لاحظتُ أن بَكرة الشريط مسحوبة إلى خارجه ، وإذا خيط الشريط منطلق إلى الخارج ، وكأنه لا يزال متصلاً بشئ0
التفتُ أنظر أين يصل؟ فإذا بى أرى مُسَجِّل السيارة واقعاً على الأرض ، وقد خرج من مكانٍ فى السيارة ، مع قوة الحادث ، وبعد ضرب الأرض بقوة ، انطلق منه الشريط ، ووقع عند رأس هذا الفتى ، ليقع عليه مُخه ، نعم ليقع على "أغنى فى حبك" ، أى واللهِ مشكلة حبه0
ويُبعَث أحدكم على مامات عليه ، ما علينا ، بدأ الناس يَكثرون حولنا ، وصار كُلُّ مَن مَرَّ بنا يُوقف سيارته ، ويُقبل ينظر إلى الحادث ، وصل الإسعاف ، كشف الطبيب عليهما فى عَجَل ، غَطَّاهما بملاءةٍ بيضاء ، أيقنتُ عندها أن أرواحهما قد صعدت إلى السماء ، لا أدرى هل تُفتَح لها أبوابُ السماء وتُبَشَّر بروحٍ وريحان ، أم تَخر من السماء فتخطفها الطير ، أو تهوى بها الريح فى مكانٍ سحيق؟
بدأ سائق الإسعاف وأصحابه فى حمل الجُثَّتين ، وبدأتُ أجمع أغراضهما المُبعثرة ، هذه محفظة ، وهذه ساعة ، وتلك كاميرا0
أخذتُ أجمع فى كيسٍ معى 0 فى أثناء ذلك وقع فى يدى ظَرْفٌ مُغلق ، قد انشق طرفه مع وقوعه على الأرض ، مكتوبٌ عليه "يصل إلى يد أبى محمد" وبعدها كلماتٌ مكتوبة لا أرغب فى ذِكرها ، نظرتُ إلى داخله ، فإذا مجموعةٌ كبيرة من الصور ، أخرجتُها ، فإذا هى أكثر من خمسين صورة لنساءٍ عرايا0
حاولتُ أن أخفيها عن الناس ، لئلا يفتضح الشابان ، دافعتُ عَبَراتى ، قلتُ: هذه فضيحة الدنيا ، بين عددٍ قليلٍ لا يعرفهما ، فكيف بهما فى فضيحة الآخرة ، عند الأولين والآخرين ، مع اشتداد الرعب ، وكثرة الفزع ، وتطاير الصُّحُف0
ما ضَرَّهما لو أطاعا الله ، فما كَلَّفهما شَططاً ، إقامة خمس صلوات ، وفِعل الواجبات ، وترك المُحَرَّمات ، وليس فى ذلك مَشقة ، فالمُحَرَّمات أشياء معدودات ، ما ضَرَّ العبد لو تركها طاعةً للمَلِك ، ليُحِبَّه ويُدخله جنته0
{منقول من كتاب: رحلة إلى السماء ، للشيخ: محمد العريفى}