شموع لا تنطفي
01/05/2009, 03:41 PM
"قال الله جل وعلا في آية بعدها قال: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} (سورة الحج: 24)
هذه قالها الله بعد أن ذكر أهل الجنة وما {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً}, وقد أثبتناها هنا لحاجة الإنسان لأن يُهدى إلى الطيب من القول, وإن كان العلماء يقولون: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} أي: أُلهموا القرآن, وقيل: {الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} قول لا إله إلا الله, و{صِرَاطِ الْحَمِيدِ} أي: الإسلام, لكن الآية في ظننا أشمل من ذلك كله وأكبر، والمعنى أنهم موفقون يذكرون الله وهو أطيب القول وإذا خاطبوا الناس في بيعٍ أو شراء أو طلب حق أو رد أمر أو أي أمر يقع بينهم وبين إخوانهم لا يخرج منهم إلا الكلم الطيب وهداهم الله إلى {صِرَاطِ الْحَمِيدِ} أي: إلى دين الإسلام, وهذا أنت تراه عيانًا في الناس, من الناس من هو واقف على الطرقات بيده ما بيده يكتب فيها بذيء الكلمات وإذا خاطبته أو كلمته أخرج قاموسًا بذيئًا لا تُحب أن تسمعه بل ينفُر منه كل من حوله ولا يعرف طريقًا إلى جامع ولا إلى مسجد ولا إلى ملتقى خير, على النقيض منه ممن هداهم الله إذا تكلم تعجب لطيب كلامه ولين قوله، {وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} الإسلام في قلبه والنور بين جنبيه وإذا غدى أو راح إنما يغدو ويروح إلى الأماكن والمواطن التي يُذكر الله جل وعلا فيها ويُبجّل ويُعظّم فتجده غادٍ رائحٌ إليها بُكرةً وعشيّا, وشتان ما بين الفريقين وكما اختلفا في الدنيا سيختلفان يوم يقومان بين يدي الملك الديّان {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} (سورة الجاثية: 21) والمقصود أنهم {هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ}، لكن الناس وإن فقهوا معنى هذه الآية إلا أن الذي يمنعهم منها أحيانًا أن الإنسان يقول أنني إذا ألنت القول وتكلمت بكلام حسن ظنّ الناس مني أو ظن الناس في أنني ضعيف الشخصية فيتجرأون علي, وهذا أمر مُشاهد محسوس, لكن لا ينبغي للإنسان أن يترُك الحق لمجرد خوفه من أقوال الناس, إن الحياة عقيدةٌ وجهادُ, ثباتك على العقيدة التي تؤمن بها لكن من حقك أحيانًا أن تبين لمن أمامك ممن أخطأ فهمك أو أساء الظنّ بك أو عَلِم أن طيّب قولك إنما هو ضعف أن تبين له بطريقة أو بأخرى أنك تفعل ما تفعل عن عِلم وطلب للأجر من الله لا من ضعفٍ وعَجزٍ في الأمر, والناس منذ أن كانوا فيهم شيءٌ من إرث الجاهلية وإرث الجاهلية يقول أن القوي الحق والرجل الحسن هو من يتسلط على غيره, ولذلك حتى في تربية الناس لأولادهم من غير ما يشعرون يبعث الرجل ابنه ويقول: يا بني كن ذئبًا لا تأكلك الذئاب, يا بني كن رجلا لا يغلبنك الرجال, فيُربي ولده على هذه القيم ظنًا منه أن هذا هو الحق, وهذا إرثٌ جاهلي قديم, وقد كان هناك رجل يقال له النجاشي الحارثي هذا شاعر غير النجاشي الصحابي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم, هذا كان بذيء اللسان جدا فتعرّض لقوم يقال لهم بنو العجلان فأخذ يقدح فيهم لا يقدح فيهم أنه يسبهم ظاهرًا وإنما يقول فيهم قولا كأنه مدح وهو يقصد ذمهم بأنهم ضعفاء، فذهبوا إلى عمر رضي الله عنه وأرضاه أيام خلافته وأخذوا يشتكون إليه ما قاله فيهم فكان عمر رضي الله عنه يدرأ الحدود بالشبهات, يعني يحمل الكلام على أحسن محامله ويُخرّج الشاعر منه قدر الإمكان, ثم إنه استشار حسانًا و الحُطيئة باعتبارهما شاعرين فحكما على أنه آذى القوم كثيرا, فهدده عمر بقطع لسانه أو بسجنه, فمثلا قالوا يا أمير المؤمنين إنه يقول عنا:
إذا الله عادى أهل لؤمٍ وخسةٍ فعادي بني العجلان رهطِ بن مقبلِ فقال رضي الله عنه وأرضاه : هذا دعاء فإن كان مظلوما استجيب له وإن كان ظالما لم يستجاب له, فقالوا فإنه يقول عنا: قبيلةٌ لا يغدرونَ بذمةٍ ولا يظلمون الناس حبةَ خردلِ طبعا هو يقصد ضعفهم وأنهم جبناء و عُجزاء, فقال عمر رضي الله عنه: ليت آل الخطاب كانوا كذلك, يعني يا ليت آل الخطاب آل عمر الذي أنا انتسب إليهم لا يغدرون ولا يظلمون الناس حبة خردل , قالوا يا أمير المؤمنين إنه يقول:
وما سُميَ العجلانُ إلا لقولهم خذِ القعبَ واحلب أيها العبدُ واعجنِ فقال عمر: سيد القوم خادمهم وكلنا عبيد الله, فقالوا يا أمير المؤمنين إنه يقول:
تعافُ الكلابُ الضارياتُ لحومَهُم وتأكلُ من كعبٍ وعوفٍ و نهشلِ فقال عمر رضي الله عنه و أرضاه: كفى لؤمًا و سوءاً بمن تأكل الكلاب لحمه أجنَّ القومُ موتاهم, أجنّ القوم موتاهم يعني: حرصوا على دفن موتاهم, وإلى اليوم بعض الناس يُسمي القبور مِجنة لأنها تُوارى فيها الأجساد وتُدفن, ثم قالوا يا أمير المؤمنين إنه يقول:
ولا يَرِدُون الماء َ إلا عشيةً إذا صدّرَ الورّادُ عن كلِّ منهلِ
فقال عمر: ذلك أخف عن اللكاك, اللكاك يعني: الزحام, يعني هذا أفضل أنهم يأتون آخر الناس, وهو قصد أنهم ضعفاء جبناء لا يستطيعون أن يأتوا إلى موارد الماء من أول الناس، والمقصود أن هذا بذيء حاول عمر رضي الله عنه أن يتقي لؤمه و بذاءة لسانه ما استطاع ثم هدده بقطع لسانه كما قال.
الذي يعنينا من هذا كله أن الإنسان حتى يكون قريبًا من الله مُحببًا من خلقه يكون حسن اللسان, قال الله جل وعلا: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} (سورة البقرة: من الآية 83) , ومن حقك أن تطالب بحقك لكن اطلب حقك بكمال أدب وحُسن لفظ وتشبّه بالصالحين والأخيار في قولهم ومنطقهم."
تأملات قرآنية- سورة الحج
(منقـــــــــــول )
هذه قالها الله بعد أن ذكر أهل الجنة وما {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً}, وقد أثبتناها هنا لحاجة الإنسان لأن يُهدى إلى الطيب من القول, وإن كان العلماء يقولون: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} أي: أُلهموا القرآن, وقيل: {الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} قول لا إله إلا الله, و{صِرَاطِ الْحَمِيدِ} أي: الإسلام, لكن الآية في ظننا أشمل من ذلك كله وأكبر، والمعنى أنهم موفقون يذكرون الله وهو أطيب القول وإذا خاطبوا الناس في بيعٍ أو شراء أو طلب حق أو رد أمر أو أي أمر يقع بينهم وبين إخوانهم لا يخرج منهم إلا الكلم الطيب وهداهم الله إلى {صِرَاطِ الْحَمِيدِ} أي: إلى دين الإسلام, وهذا أنت تراه عيانًا في الناس, من الناس من هو واقف على الطرقات بيده ما بيده يكتب فيها بذيء الكلمات وإذا خاطبته أو كلمته أخرج قاموسًا بذيئًا لا تُحب أن تسمعه بل ينفُر منه كل من حوله ولا يعرف طريقًا إلى جامع ولا إلى مسجد ولا إلى ملتقى خير, على النقيض منه ممن هداهم الله إذا تكلم تعجب لطيب كلامه ولين قوله، {وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} الإسلام في قلبه والنور بين جنبيه وإذا غدى أو راح إنما يغدو ويروح إلى الأماكن والمواطن التي يُذكر الله جل وعلا فيها ويُبجّل ويُعظّم فتجده غادٍ رائحٌ إليها بُكرةً وعشيّا, وشتان ما بين الفريقين وكما اختلفا في الدنيا سيختلفان يوم يقومان بين يدي الملك الديّان {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} (سورة الجاثية: 21) والمقصود أنهم {هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ}، لكن الناس وإن فقهوا معنى هذه الآية إلا أن الذي يمنعهم منها أحيانًا أن الإنسان يقول أنني إذا ألنت القول وتكلمت بكلام حسن ظنّ الناس مني أو ظن الناس في أنني ضعيف الشخصية فيتجرأون علي, وهذا أمر مُشاهد محسوس, لكن لا ينبغي للإنسان أن يترُك الحق لمجرد خوفه من أقوال الناس, إن الحياة عقيدةٌ وجهادُ, ثباتك على العقيدة التي تؤمن بها لكن من حقك أحيانًا أن تبين لمن أمامك ممن أخطأ فهمك أو أساء الظنّ بك أو عَلِم أن طيّب قولك إنما هو ضعف أن تبين له بطريقة أو بأخرى أنك تفعل ما تفعل عن عِلم وطلب للأجر من الله لا من ضعفٍ وعَجزٍ في الأمر, والناس منذ أن كانوا فيهم شيءٌ من إرث الجاهلية وإرث الجاهلية يقول أن القوي الحق والرجل الحسن هو من يتسلط على غيره, ولذلك حتى في تربية الناس لأولادهم من غير ما يشعرون يبعث الرجل ابنه ويقول: يا بني كن ذئبًا لا تأكلك الذئاب, يا بني كن رجلا لا يغلبنك الرجال, فيُربي ولده على هذه القيم ظنًا منه أن هذا هو الحق, وهذا إرثٌ جاهلي قديم, وقد كان هناك رجل يقال له النجاشي الحارثي هذا شاعر غير النجاشي الصحابي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم, هذا كان بذيء اللسان جدا فتعرّض لقوم يقال لهم بنو العجلان فأخذ يقدح فيهم لا يقدح فيهم أنه يسبهم ظاهرًا وإنما يقول فيهم قولا كأنه مدح وهو يقصد ذمهم بأنهم ضعفاء، فذهبوا إلى عمر رضي الله عنه وأرضاه أيام خلافته وأخذوا يشتكون إليه ما قاله فيهم فكان عمر رضي الله عنه يدرأ الحدود بالشبهات, يعني يحمل الكلام على أحسن محامله ويُخرّج الشاعر منه قدر الإمكان, ثم إنه استشار حسانًا و الحُطيئة باعتبارهما شاعرين فحكما على أنه آذى القوم كثيرا, فهدده عمر بقطع لسانه أو بسجنه, فمثلا قالوا يا أمير المؤمنين إنه يقول عنا:
إذا الله عادى أهل لؤمٍ وخسةٍ فعادي بني العجلان رهطِ بن مقبلِ فقال رضي الله عنه وأرضاه : هذا دعاء فإن كان مظلوما استجيب له وإن كان ظالما لم يستجاب له, فقالوا فإنه يقول عنا: قبيلةٌ لا يغدرونَ بذمةٍ ولا يظلمون الناس حبةَ خردلِ طبعا هو يقصد ضعفهم وأنهم جبناء و عُجزاء, فقال عمر رضي الله عنه: ليت آل الخطاب كانوا كذلك, يعني يا ليت آل الخطاب آل عمر الذي أنا انتسب إليهم لا يغدرون ولا يظلمون الناس حبة خردل , قالوا يا أمير المؤمنين إنه يقول:
وما سُميَ العجلانُ إلا لقولهم خذِ القعبَ واحلب أيها العبدُ واعجنِ فقال عمر: سيد القوم خادمهم وكلنا عبيد الله, فقالوا يا أمير المؤمنين إنه يقول:
تعافُ الكلابُ الضارياتُ لحومَهُم وتأكلُ من كعبٍ وعوفٍ و نهشلِ فقال عمر رضي الله عنه و أرضاه: كفى لؤمًا و سوءاً بمن تأكل الكلاب لحمه أجنَّ القومُ موتاهم, أجنّ القوم موتاهم يعني: حرصوا على دفن موتاهم, وإلى اليوم بعض الناس يُسمي القبور مِجنة لأنها تُوارى فيها الأجساد وتُدفن, ثم قالوا يا أمير المؤمنين إنه يقول:
ولا يَرِدُون الماء َ إلا عشيةً إذا صدّرَ الورّادُ عن كلِّ منهلِ
فقال عمر: ذلك أخف عن اللكاك, اللكاك يعني: الزحام, يعني هذا أفضل أنهم يأتون آخر الناس, وهو قصد أنهم ضعفاء جبناء لا يستطيعون أن يأتوا إلى موارد الماء من أول الناس، والمقصود أن هذا بذيء حاول عمر رضي الله عنه أن يتقي لؤمه و بذاءة لسانه ما استطاع ثم هدده بقطع لسانه كما قال.
الذي يعنينا من هذا كله أن الإنسان حتى يكون قريبًا من الله مُحببًا من خلقه يكون حسن اللسان, قال الله جل وعلا: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} (سورة البقرة: من الآية 83) , ومن حقك أن تطالب بحقك لكن اطلب حقك بكمال أدب وحُسن لفظ وتشبّه بالصالحين والأخيار في قولهم ومنطقهم."
تأملات قرآنية- سورة الحج
(منقـــــــــــول )